فحلّ علي عليه السلام حبوته ، وقال : الصبر حلم ، والتقوى دين ، والحجّة محمد ، والطريق الصراط ، ايها الناس شُقّوا أمواج الفتن .... ( الخطبة ) .... فدخل الى منزله وافترق القوم » (1).
 

 وفي تذكرة ابن الجوزى : « لما دفن رسول الله.... ونقل الخطبة باختلاف » (2).
 

 وقوله عليه السلام : افلح من نهض بجناح واستسلم فأراح كالصريح في أنه لو كان له جناح لنهض وقام بالسيف ولكن حيث لا جناح له فهو يستسلم ليريح الناس ولا يوجب ازعاجهم دون جدوى.
 

 وفي الشطر الاخير من الخطبة بين عليه السلام ان استسلامه ليس خوفاً من الموت وقد أنس به مليّاً في خضمّ الحروب فهو آنس به من الطفل بثدي امه ولكنه انطوى على مكنون علم يمنعه من المطالبة بالقوة وهو ـ كما بينه في مواضع كثيرة ـ خوف الفتنة وانقسام المسلمين ، والضغائن الجاهلية بعدُ كامنة في النفوس ، فان وجدت لها مخرجا فارت ، وعاد الامر جذعة ، وارتد الناس الى الجاهلية ، والمنافقون يكيدون للدين الحديث المكائد ، وفي المسلمين سمّاعون لهم. والخطر محدق بهم من الخارج ايضاً حيث الامبراطوريات المهدّدة تحاول انتهاز الفرص للقضاء على كل خطر يهدد كيانها. ولذلك ردّ الامام عليه السلام اقتراح أبي سفيان بانه يملأ المدينة خيلاً ورجلاً.
 

 وقوله عليه السلام في الخطبة (26) : « فنظرت فاذا ليس لي معين إلاَّ اهل بيتي فضننت بهم عن الموت واغضيت على القذى ، وشربت على الشجا ، وصبرت على اخذ الكظم وعلى أمرَّ من طعم العلقم » (3).
 

 ومثله على اختلاف يسير الخطبة 217 ففيها : « فنظرت فاذا ليس لي رافد ولا ذابّ ولا ساعد الا اهل بيتي فضننت بهم عن المنيّة فاغضيت على القذى وجرعت ريقي على الشجا وصبرت من كظم الغيظ على امرّ من العلقم وآلم للقلب من وخز الشفار » (4).
 

 4 ـ أرى تراثي نهباً. وهذه الجملة ايضا صريحة في ان الامام عليه السلام كان يرى نفسه وارث الزعامة والولاية فهو لم يتحدث هنا عن ارث المال ولم يكن هو وارث النبي صلّى الله عليه وآله شرعاً لو كان له مال موروث بل كان المال لزوجاته وابنته مع أن كلامه هنا يدور حول الخلافة وتقمص ابي بكر لها فهي التراث المنهوب وهذا صريح في ان خلافة الرسول صلّى الله عليه وآله فى الولاية والأقرة على المسلمين ليست حقا للناس يختارون من شاؤوا بل تراث يورثه الرسول صلّى الله عليه وآله من شاء وانه اورثها
____________
(1) نهج البلاغة 1 : 218 .
(2) تذكرة الخواص : 128 ، البحار 28 :233 .
(3) نهج البلاغة 1 : 122 .
(4) نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 336.


( 29 )

عليا عليه السلام بالنص وانّهم غصبوها منه كما قال عليه السلام في خطبة اخرى : « فوالله ما زلت مدفوعاً عن حقي مستأثراً عليّ منذ قبض الله نبيه صلّى الله عليه وآله حتى يومنا هذا » (1).
 

 5 ـ فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته اذ عقدها لآخر بعد وفاته لشدّ ما تشطّرا ضرعيها... حيث إنّ الامام عليه السلام لم يتعجب منه كيف عقد الخلافة لآخر ولم يترك الامر للشورى وانتخاب الناس ولو كان الامام يؤمن بالشورى كمبدأ لتعيين الخليفة لكان هذا هو وجه العجب حيث استند ابوبكر في شرعية خلافته الى الشورى ـ كما يزعمون ـ ثم عيّن الخليفة من بعده بالنص ولكنه عليه السلام لم يبد عجبا من ذلك وانما تعجب منه كيف عقدها لآخر وهو يستقيل منها في حياته ويشير بذلك الى قول ابي بكر في خطبة له : « اقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم » (2).
 

 ويستشهد الكاتب بعد ذلك بهذه الرواية المروية عن زيد بن علي عن الامام اميرالمؤمنين عليه السلام يقول : « بايع الناس أبابكر وأنا أولى بهم مني بقميصي هذا فكظمت غيظي وانتظرت امري والزقت كلكلي بالارض » يروي الكاتب هذه القطعة من الحديث عن الشافي للشريف المرتضى رحمه الله ( 3 : 110 ) ونحن ننقله كاملاً : « ... ثم ان ابابكر هلك واستخلف عمرو قد والله علم أني اولى بالناس مني بقميصي هذا فكظمت غيظي وانتظرت امري ثم ان عمر هلك وجعلها شورى وجعلني فيها سادس ستة كسهم الجدّة فقال : اقتلوا الاقلّ فكظمت غيظي وانتظرت امري والزقت كلكلي بالارض حتى ما وجدت الا القتال او الكفر بالله ».
 

 ويعقب الكاتب على نقل هذه الخطب والكلمات بقوله : « وفي هذه الخطب يشير الامام علي بن ابي طالب الى اولويته بالخلافة واحقيته بها وان اهل البيت هم الثمرة اذا كانت قريش شجرة رسول الله صلّى الله عليه وآله ولا يشير الى مسألة النص عليه من رسول الله او تعيينه خليفة من بعده... ».
 

 وقد تبين بما مرّ انه عليه السلام لا يقصد بهذه العبارات انه اولى بالخلافة بل ان الخلافة حق له غصب منه وكذلك كلامه هذا فانه لا يقول : « وانا اولى بها منهم » كما يتوهمه او يوهمه الكاتب بل يقول : « وانا اولى بهم مني بقميصي هذا » كما صرح بذلك في عبارته التالية « وقد والله علم ( يعني ابابكر ) أني أولى بالناس مني بقميصي هذا... » ومن المعلوم انه عليه السلام يملك قميصه فمراده بهذا الكلام ليس اولويته بالخلافة بل المراد انه اولى بالناس من الناس أنفسهم وانه يملك امورهم اكثر مما يملك قميصه.
____________
(1) نهج البلاغة الخطبة 6 .
(2) الإمامة والسياسة 1 : 22 ، كنز العمال 5 : 588 ح 14046 ، تاريخ الطبري 3 : 210 ، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد 1 : 169.


( 30 )

فهذه العبارة غاية في الدلالة والصراحة بانه عليه السلام ولي أمر الناس ولاية مطلقة عامة شاملة لجميع شؤونهم ولاية تفوق ملكية الانسان لقميصه الذي يلبسه. هل يمكن ان يحصل هذه الولاية لانسان على الناس الا بجعل من الله تعالى ؟! من الواضح ان ولاية كهذه لاتحصل بانتخاب الناس واختيارهم مع انهم لم يختاروه خليفة وقائداً. فانظر مدى الفرق بين مفاد كلام الامام وما يروم الكاتب ان يحمل عليه كلامه عليه السلام.
 

 ثم قال الكاتب : « وينقل الكليني رواية عن الامام محمد الباقر يقول فيها ان الامام عليا لم يدع الى نفسه وانه اقرّ القوم على ما صنعوا وكتم امره » وما وجدت هذا الحديث في الموضع الذي اشار اليه الكاتب اي الروضة من الكافي : 246 ولا في مواضع اخرى تعد من مظانّه رغم البحث والفحص ومهما كان فلا يزيد هذا الحديث شيئاً على ما ذكر فمن الواضح انه عليه عليه السلام لم يدع الى نفسه علانية بحيث يوجب شق عصا المسلمين وهو الذي يقول لما عزم القوم على بيعة عثمان : « لقد علمتم أنّي احقّ الناس بها من غيري ووالله لاسلمنّ ما سلمت امور المسلمين ولم يكن فيها جور الاّ عليّ خاصة التماساً لأجر ذلك وفضله وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه » الخطبة 74. وغير ذلك مما قاله عليه السلام في ذلك.
 

 يقول الكاتب : « واذا كان حديث الغدير يعتبر أوضح وأقوى نصّ من النبي بحقّ أمير المؤمنين ، فإنّ بعض علماء الشيعة الإمامية الأقدمين ، كالشريف المرتضى ، يعتبره نصّاً خفياً غير واضح بالخلافة ، حيث يقول في الشافي : « إنّا لا ندّعي علم الضرورة في النص ، لا لأنفسنا ولا على مخالفينا ، وما نعرف أحداً من أصحابنا صرّح بادعاء ذلك » (1).
 

 من الغريب والمخجل ان ينسب الى الشريف ذلك وفي هذا الموضع بالذات من كتابه وهو انما يحاول فيه اثبات النص على خلافة اميرالمؤمنين عليه السلام ويرد على قاضي القضاة المعتزلي فلننظر ماذا يقول الشريف ليتبين مدى مراوغة الرجل :
 قال الشريف قبل هذه العبارة بصفحات أي في الصفحة 65 : « الذي نذهب اليه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله نصّ على أمير المؤمنين عليه السلام بالامامة بعده ، ودلّ على وجوب فرض طاعته ولزومها لكلّ مكلّف ، وينقسم النصّ عندنا في الأصل إلى قسمين أحدهما يرجع إلى الفعل ويدخل فيه القول ، والآخر إلى القول دون الفعل . فأمّا النصّ بالفعل والقول ، فهو ما دلّت عليه أفعاله صلّى الله عليه وآله وأقواله المبينة لأمير المؤمنين عليه السلام من جميع الاُمّة ، الدالّة على استحقاقه من التعظيم والاجلال
____________
(1) تطور الفكر .... ص 22.


( 31 )

( الى ان قال في ص67 ) :
 

 « فأمّا النص بالقول دون الفعل ينقسم إلى قسمين :
 

 أحدهما : ما علم سامعوه من الرسول صلّى الله عليه وآله مراده منه باضطرار ، وإن كنّا الآن نعلم ثبوته والمراد منه استدلالاً وهو النصّ الذي في ظاهره ولفظه الصريح بالإمامة والخلافة ، ويسمّيه أصحابنا النصّ الجلي كقوله عليه السلام « سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين » ، و « هذا خليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا » (1).
 

 والقسم الآخر : لا نقطع على أن سامعيه من الرسول صلّى الله عليه وآله علموا النصّ بالاِمامة منه اضطراراً ولا يمتنع عندنا أن يكونوا علموه استدلالاً من حيث اعتبار دلالة اللفظ ، وما يحسن أن يكون المراد أو لا يحسن.
 

 فأمّا نحن فلا نعلم ثبوته والمراد به إلاّ استدلالاً كقوله صلّى الله عليه وآله : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي » و « من كنت مولاه فعليّ مولاه » ، وهذا الضرب من النص هو الذي يسمّيه أصحابنا النصّ الخفيّ .
 

 ثمّ النصّ بالقول ينقسم قسمة اُخرى إلى ضربين :
 

 فضرب منه تفرّد بنقله الشيعة الإمامية خاصة ، وإن كان بعض من لم يفطن بما عليه فيه من أصحاب الحديث قد روى شيئاً منه ، وهو النصّ الموسوم بالجليّ .
 

 والضرب الآخر رواه الشيعي والناصبي وتلقاه جميع الاُمّة بالقبول على اختلافها ، ولم يدفعه منهم أحد يحفل بدفعه يعد مثله خلافاً وان كانوا قد اختلفوا في تأويله وتباينوا في اعتقاد المراد به وهو النصّ الموسوم بالخفي الذي ذكرناه ثانياً » (2).
 

 لاحظ هذه العبارة فانه يقول ان النص بالقول على قسمين قسم اوجب العلم الضروري للسامعين في ذلك الوقت وان كان لا يوجب لنا في هذا الزمان علماً ضرورياً لعدم وجود القرائن الحالية الدخيلة في وضوح الدلالة اولم يثبت وقوعه لنا بعلم ضروري ولكنا نعلمه ونعلم دلالته ايضاً بعلم استدلالي. فالفرق بيننا وبينهم انهم يعلمون به وبدلالته ضرورة بمعنى انه لا يحتاج ايجابه للعلم والقطع الى استدلال وترتيب مقدمات لانهم كانوا شاهدين على ذلك فلا حاجة الى اثبات تواتره ولان القرائن الحالية توجب القطع بالمراد واما نحن فيمكننا تحصيل العلم والقطع بذلك ولكن بعد استدلال وترتيب مقدمات يوجب
____________
(1) وهو حديث يوم الدار ، انظر تاريخ الطبري 2 : 321 .
(2) الشافي 2 : 65 ـ 68 .


( 32 )

اثبات تواتر النقل ووضوح الدلالة. فهذا هو الفرق بين النص الجلي والنص الخفي عنده وعند اصحابنا كما يقول.
 

 ولنعد الآن الى عبارته التي نقلها الكاتب وننقل ما قبلها وما بعدها ليتضح المراد :
 

 « قال صاحب الكتاب : ( اي قاضي القضاة المعتزلي ) : فان قيل انّا ندَّعي هذا الجنس من الاضطرار لمن فتّش عن الأخبار وأزال عن قلبه الشبهة ، ولم يسبق إلى اعتقاد فاسدٍ ، فأمّا من حصل فيه بعض هذه الوجوه لم يحصل له الضرورة ، ولذلك يحصل الاضطرار لطوائف الشيعة ولا يحصل للمخالفين .
 

 قيل لهم : إذا كان ذلك هو الحجّة وقد أقررتم أنّه لا يحصل للمخالف فيجب أن يكونوا في أوسع العذر في مخالفتكم وأن لا يلحقهم الذم بذلك .
 

 فان قالوا : إنّما نذمّهم من حيث اعتقدوا إمامة غير أمير المؤمنين عليه السلام لشبهة .
 

 قيل لهم : فيجب أن لا يلحق من شكّ في ذلك وتوقّف الذم ويكون معذوراً في ذلك وذلك ينقض أصلهم في الإمامة لأنّهم يحعلونها من أعظم أركان الدين وأصلاً لسائر الشرائع ( فكيف يصحّ أن لا يعلمها من خالفهم مع علمه بفروع الدين التي هي الصلاة والصيام وغير ذلك ) .
 

 يقال له : قد بيّنا أنا لا ندّعي علم الضرورة في النص لا لأنفسنا ولا على مخالفينا ، وما نعرف أحداً من أصحابنا صرّح بادّعاء ذلك ولكنّا نكلّمك على ما يلزمك دون ما نذهب إليه ونعتقده حقّاً .
 

 أمّا ادّعاؤك أن يكون المخالف لنا في أوسع العذر إذا لم يعرف النص ضرورة ، فباطل لا يدخل في مثله شبهة على مثلك لأنّا إنّما ألزمناك أن يرتفع العلم الضرورة عنهم بالنصّ على وجهٍ كانوا فيه هم المانعين لأنفسهم منه ، وهم مع كونهم مانعين من وقوعه متمكنون من إزالة المانع ، والخروج عمّا ارتفع من أجله العلم بالنصّ من الشبهة أو السبق إلى الاعتقاد ، ولو شاءوا لفارقوا ذلك فوقع لهم العلم الضروري ، فكيف يجب على هذا أن يكونوا معذورين... » (1).
 

 وخلاصة القول ان قاضي القضاة يدعي ان العلم الضروري بالنص من الرسول صلّى الله عليه وآله على خلافة علي عليه السلام انما يحصل لمن فتش الاخبار وبحث عن النص ولم يكن على شبهة وعقيدة مخالفة قبل ذلك ولا يحصل العلم الضروري لمن لم يفتش عنها او فتش وكان على اعتقاد راسخ بعدم وجود النص فانه يأول ما يراه او يمنع حصول التواتر وعلى ذلك فهو معذور في عدم حصول العلم له واذا كان كذلك فيأتي الاشكال في اصل ثبوت النص بانه كيف لم يحصل الشك والشبهة للمسلمين جميعاً المعترفين بالنبوة في وجوب الصلاة والصوم وحصل لهم الشك في ثبوت نص الخلافة ولم يحصل
____________
(1) الشافي 2 : 97 ـ 98 .


( 33 )

العلم الضروري الا للشيعة وبذلك يتبين انه لا يوجد نص يوجب العلم الضروري بذلك. هذا خلاصة مدعى القاضي.
 

 ويرد عليه الشريف بانا لا ندعي العلم الضروري بالنص لا لنا ولا لمخالفينا بل ندعى ان هذه الاخبار الواردة من طرقكم ـ ولا نكلّمك على ما نعتقده حقاً ـ يوجب العلم الاستدلالي اي يحصل العلم بعد ملاحظة الحجج والادلة المثبتة لصحة الاخبار وتواترها ووضوح دلالتها واما قولك : « ان من لم يلاحظ هذه الادلة فهو معذور » غير صحيح لانهم هم المانعون عن تحقق هذا العلم لهم حيث لم يلاحظوا الادلة وكيفية دلالتها على وجه يوجب العلم الضروري لهم ولو من طريق الاستدلال وهذا لا يوجب عذراً.
 

 وما ذكره الشريف صحيح وواضح جداً فان من سمع بالرسالات واحتمل ان يكون هناك شريعة وحساب ومعاد لا يجوز له عقلا التغافل عنه والاشتغال بملاهي الحياة الدنيا ولا يكون معذوراً امام الله تعالى بانه لم يثبت له بالعلم الضروري صحة ما جاء به الرسل فكما ان رجلا كهذا ليس معذوراً قطعاً كذلك لا يعذر المخالف الذي يتغاضى ويتجاهل وجود هذه النصوص ووجود كتب استدلالية علمية لعلماء الشيعة فلا يراجعها لئلا يحصل له العلم بفساد مذهبه الذي بنى عليه شؤون حياته.
 

 وهكذا يتبين انّ ما رامه الكاتب ان يستفيده من عبارة حذف اولها وآخرها في كتاب الشافي للشريف المرتضى هو عكس ما يقصده الشريف تماماً.
 

 قال الكاتب : « ولذلك فإن الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير أو غيره من الأحاديث معنى النصّ والتعيين بالخلافة ، ولذلك اختاروا طريق الشورى ، وبايعوا أبا بكر كخليفة من بعد الرسول ، ممّا يدلّ على عدم وضوح معنى الخلافة من النصوص الواردة بحقّ الاِمام علي ، أو عدم وجودها في ذلك الزمان » (1).
 

 تبين مما مرّ في فصل نظام الشورى بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله ان بيعة ابي بكر لم تقم على اساس الشورى وانما كانت فلتة وقى الله شرها كما يعتقد الشيخان ابوبكر وعمر. ومهما كان فلقائل ان يقول : ان البيعة وان لم تتم على اساس الشورى يومذاك الا ان المسلمين بايعوا تدريجياً فلم يختلف عليه اثنان وحصل الاجماع ولله الحمد !
 

 ولكن الواقع ان ما حدث في ذلك العهد كان اشبه شيء بانقلاب عسكري لم يترك مجالاً لاحد ان يبدي رأيه او يخالف من دعي باسم خليفة الرسول صلّى الله عليه وآله فان ذلك كان يعدّ شقاً لعصا
____________
(1) تطور الفكر ... ص 22 .


( 34 )

المسلمين ومبرراً لسفك دمه ومع ذلك فان هناك من لم يبايع اصلاً كسعد بن عبادة ومن بايع كرهاً وهم جماعة كثيرة اعلنوا كراهتهم وعلى رأسهم اميرالمؤمنين عليه السلام ويكفيك دليلاً على ذلك مامرّ من خطبه اللاذعة التي صرح فيها بانه لم يكن مكرهاً فحسب بل كان عازماً على ثورة دموية تقلب نظام الحكم ولكنه لم يستطع لخذلان الناس اياه وقد ورد في الروايات انه كان يسير على نوادي الانصار ليلا ومعه سيدة النساء سلام الله عليها يستنصرهم على غاصبي حقه فكانوا يعتذرون بسبق بيعتهم لابي بكر وانهم لو سمعوا داعيته قبلها لا جابوا.
 

 وقد ورد ذكر ذلك في كتاب معاوية الى اميرالمؤمنين عليه السلام حيث كتب : « وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار ويداك في يدي ابنيك حسن وحسين يوم بويع أبو بكر ، فلم تدع أحداً من أهل بدر والسوابق إلاّ دعوتهم إلى نفسك ، ومشيت إليهم بامرأتك ، وأدليت إليهم بابنيك ، واستنصرتهم على صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فلم يجبك منهم إلاّ أربعة أو خمسة ، ولعمري لو كنت محقّاً لأجابوك ولكنك ادّعيت باطلاً ، وقلت ما لا يعرف ، ورمت ما لا يدرك ، ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حرّكك وهيّجك « لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم » فما يوم المسلمين منك بواحد » (1).
 

 ومع ذلك فهناك من الصحابة من انكر على ابي بكر جلوسه على منبر الخلافة وان بايع بعد ذلك مكرهاً كما ورد من طرقنا وهم جماعة من المهاجرين والانصار منهم خالد بن سعيد بن العاص والمقداد بن الاسود وابي بن كعب وعمار بن ياسر وابوذر الغفاري وسلمان الفارسي وعبدالله بن مسعود وبريدة الاسلمي وخزيمة بن ثابت وسهل بن حنيف وابو ايوب الانصاري وابو الهيثم بن التيهان وغيرهم (2).

الشورى عند امير المؤمنين عليه السلام
 

 يحاول الكاتب ان يثبت ان اميرالمؤمنين عليه السلام كان يؤمن بالشورى كنظام لتعيين القائد وقد تبين بما ذكرناه في فصل « الشورى عند اهل البيت عليهم السلام » وفصل « شعور الامام بالاولوية والاحقية » انّه عليه السلام كان يرى لنفسه حقا ثابتاً بالنص وانه لو كان متمكناً من اخذ حقه بالقوة لحاربهم على ذلك ولو كان يرى ان ذلك حق للناس لم يكن لذلك مبرر وانما كان له الحق في ارشاد الناس وتوجيههم وبيان فضائله لهم ليختاروه ولم يكن له الحق في محاربة من اختاره الناس كما يزعمه
____________
(1) شرح النهج 1 : 131 ، وج 3 : 5 ، البحار 28 : 313 .
(2) راجع البحار 28 : 189 و 208 .


( 35 )

دعاة الشورى.
 

 ولكن الكاتب يحتج بدخول الامام في الشورى الذي عينها عمر لاختيار احدهم خليفة واحتجاجه عليه السلام بفضائله ودوره في خدمة الاسلام وعدم اشارته الى موضوع النص عليه او تعيينه خليفة من بعد الرسول صلّى الله عليه وآله ولو كان حديث الغدير يحمل هذا المعنى لا شار الامام الى ذلك وحاججهم بما هواقوى من ذكر الفضائل ص 23.
 

 والجواب عن ذلك واضح ، فان الإمام ما كان يمكنه هذا الاحتجاج في شورى عيّنها عمر إذ يستوجب ذلك القدح في خلافته وخلافة من سبقه وهو وان صرّح في مواطن عديدة بانهما غصبا حقّه إلاّ انّه لا يمكنه الاحتجاج في مثل هذه الشورى بذلك فانه انّما دخلها بعد التنازل عن حقّه الأول فلا يمكنه الاستناد إليه وهو انما دخل الشورى لئلا يقال انّ انتخاب عثمان انّما تم من جهة عدم اشتراك علي عليه السلام في الشورى فلو كان لم يدخل في الشورى لاعترض عليه الناس بذلك فأراد أن يقطع عذرهم ويبطل احتجاجهم ليظهر للناس انّ انتخاب عثمان انّما كان حسب مكيدة لمبتكر الشورى.
 

 اذن فدخوله في الشورى لا يدل على قبوله لها ، مع انّ هذه الشورى ليست شورى واقعية فلم يشترك فيها المسلمون بأجمعهم ، ولا المهاجرون والأنصار ، بل ولا جميع أهل الحل والعقد ، مع انّ كل ذلك تخصيص بلا مبرر ، ثمّ اختيار هذه المجموعة بما فيهم عبد الرحمن بن عوف مع تمايله إلى صهره عثمان ـ كما ذكره الإمام علي عليه السلام في الشقشقية ـ وترجيح المجموعة التي فيها عبد الرحمن بنصّ الخليفة من دون أي مبرر أو مرجح يكشف لنا المكيدة التي دبّرها الخليفة لازاحة الحق عن أهله ، فهذه لم تكن شورى كيف ما تصورناها بل هي مكيدة سياسية ، ودخول الامام فيها لا يفيد دعاة هذا النظام. واحتجاجه بفضائله دون النص أيضاً لا يدل على عدم النص لما ذكرناه من انّه لا يمكن الاحتجاج به في تلك المجموعة. وانما يصحّ أن يسأل عن وجه عدم استناد الامام إلى النص يوم السقيفة واحتجاجاً على الشيخين ، دون يوم الشورى واحتجاجاً على مناوئيه ذلك اليوم. والواقع انّ الإمام عليه السلام استند إلى النصّ يوم السقيفة ولكنه خرج عن داره متأخراً ، وبعد انتهاز الشيخين واتباعهما فرصة اشتغال الامام عليه السلام بتجهيز النبيّ صلّى الله عليه وآله ، ومع ذلك فقد كان يخرج الامام عليه السلام من داره ليلاً يأخذ أهل بيته ويمر على ابواب الصحابة ويذكرهم بالنصوص التي صرّح بها الرسول صلّى الله عليه وآله ، ولكنهم كانوا يعتذرون بسبق بيعتهم لأبي بكر ، كما انّ الصحيح الوارد عن طرقنا انّ الإمام عليه السلام واصحابه الذين مر ذكرهم احتجوا على ابي بكر وعمر وحزبهما بالنصوص المذكورة ولكن لم يعيروا لذلك اهتماماً واستمروا على نهجهم محتجّين بانّ العرب لا ترضى ان تكون النبوّة والخلافة في


( 36 )

بيت واحد ، والملاحظ المنصف يحصل له القطع بانّ الشيخين لم يكتفيا بمنع علي عليه السلام حقّه بل حاولا أن لا ينال علي ذلك بعد وفاتهما أيضاً ، فتجد انّها احتجا عليه بانّه شاب وان مشيخة الصحابة لا يرضون بتأمّر شاب عليهم ومع ذلك فلم يرض عمر أن يجعل الخلافة له من بعده ولم يكن الامام آنذاك شاباً ، بل حاول بالمكيدة التي ذكرنا شطراً منها في تعيين عناصر الشورى أن يمنعه من الوصول إليه ، ولو لم يقتل عثمان لما آل الأمر إليه عليه السلام بعده أيضاً .
 

 هذا وهناك رأي آخر يسلّم انّ الامام عليه السلام لم يواجه الحاكمين بنصوص الخلافة ولكنه يرى انّ هناك مبررات لهذا السكوت ، ومع انّا لا نوافق على ذلك ، بل نعتقد انّ الامام وأصحابه وأهل بيته بما فيهم سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها جابهوا الحاكمين بل وسائر الصحابة بتلك النصوص كما مرّ ذكره ولكنا نذكر هذه الفكرة لانها تستحق الدراسة والتأمّل ومن لم يطمئن بتصريح الامام ، له أن يفسر ذلك بهذا الرأي .
 

 يقول المفكر الاسلامي الكبير سيدنا الشهيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه في كتابه القيّم « فدك في التاريخ » :
 

 « ونحن نتبين من الصورة المشوشة التي عرفناها عن تلك الظروف والاوضاع ان الاعتراض بتلك النصوص المقدسة والاحتجاج بها في ساعة ارتفع فيها المقياس الزئبقي للافكار المحمومة والأهواء الملتهبة التي سيطرت على الحزب الحاكم الى الدرجة العالية كان من التقدير المعقول افتراض النتائج السيئة له لأن اكثر النصوص التي صدرت من رسول الله صلّى الله عليه وآله في شأن الخلافة لم يكن قد سمعها الا مواطنوه في المدينة من مهاجرين وأنصار فكانت تلك النصوص اذن الامانة الغالية عند هذه الطائفة التي لابد أن تصل عن طريقهم الى سائر الناس في دنيا الاسلام يومئذ والى الاجيال المتعاقبة والعصور المتتالية. ولو احتج الامام على جماعة أهل المدينة بالكلمات التي سمعوها من رسول الله صلّى الله عليه وآله في شأنه وأقام منها دليلاً على امامته وخلافته لكان الصدى الطبيعي لذلك أن يكذب الحزب الحاكم صديق الامة في دعواه وينكر تلك النصوص التي تمحو من خلافة الشورى لونها الشرعي وتعطل منها معنى الدين.
 

 وقد لا يجد الحق صوتاً قوياً يرتفع به في قبال ذلك الانكار لأن كثيرا من قريش وفي مقدمتهم الامويون كانوا طامحين الى مجد السلطان ونعيم الملك وهم يرون في تقديم الخليفة على اساس من النص النبوي تسجيلا لمذهب الامامة الالهية ، ومتى تقررت هذه النظرية في عرف الحكم الاسلامي كان معناها حصر الخلافة في بني هاشم آل محمد الاكرمين وخروج غيرهم من المعركة خاسرا. وقد نلمح


( 37 )

هذا اللون من التفكير في قول عمر لابن عباس معللا اقصاء علي عن الامر : ان قومكم كرهوا ان يجمعوا لكم الخلافة والنبوة (1) فقد يدلنا هذا على أن اسناد الامر الى علي في بداية الامر كان معناه في الذهنية العامة حصر الخلافة في الهاشميين وليس لذلك تفسير اولى من أن المفهوم لجمهرة من الناس يومئذ من الخلافة العلوية تقرير شكل ثابت للخلافة يستمد شرعيته من نصوص السماء لا من انتخاب المنتخبين فعلي ان وجد نصيرا من علية قريش يشجعه على مقاومة الحاكمين فانه لا يجد منهم عضدا في مسألة النص اذا تقدم الى الناس يحدثهم ان رسول الله صلّى الله عليه وآله قد سجل الخلافة لأهل بيته حين قال : اني مخلف فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي الخ.
 

 وأما الانصار فقد سبقوا جميع المسلمين الى الاستخفاف بتلك النصوص والاستهانة بها اذ حدت بهم الشراهة الى الحكم الى عقد مؤتمر في سقيفة بني ساعدة ليصفقوا على يد واحد منهم فلن يجد علي فيهم اذا استدل بالنصوص النبوية جنودا للقضية العادلة وشهودا عليها لانهم اذا شهدوا على ذلك يسجلون على انفسهم تناقضا فاضحا في يوم واحد وهذا ما يأبونه على انفسهم بطبيعة الحال.
 

 وليس في مبايعة الأوس لأبي بكر أو قول من قال : لا نبايع الا عليا مناقضة كتلك المناقضة لأن المفهوم البديهي من تشكيل مؤتمر السقيفة ان مسألة الخلافة مسألة انتخاب لا نص فليس الى التراجع عن هذا الرأي في يوم اعلانه من سبيل.
 

 وأما اعتراف المهاجرين بالامر فلا حرج فيه لأن الأنصار لم يجتمعوا على رأي واحد في السقيفة وانما كانوا يتذاكرون ويتشاورون ولذا نرى الحباب بن المنذر يحاول بث الحماسة في نفوسهم والاستمالة بهم الى رأيه بما جلجل به في ذلك الاجتماع من كلام وهو يوضح انهم جمعوا لتأييد فكرة لم يكن يؤمن بها الا بعضهم.
 

 واذن فقد كان الامام يقدر انه سوف يدفع الحزب الحاكم الى انكار النصوص والاستبسال في هذا الانكار اذا جاهر بها ولا يقف الى جانبه حينئذ صف ينتصر له في دعواه لان الناس بين من قادهم الهوى السياسي الى انكار عملي للنص يسد عليهم مجال التراجع بعد ساعات وبين من يرى ان فكرة النص تجعل من الخلافة وقفا على بني هاشم لا ينازعهم فيها منازع. واذا سجلت الجماعة الحاكمة وانصارها انكارا للنص واكتفى الباقون بالسكوت في الاقل فمعنى هذا ان النص يفقد قيمته الواقعية وتضيع بذلك مستمسكات الامامة العلوية كلها ويؤمّن العالم الاسلامي الذي كان بعيدا عن مدينة النبي صلّى الله عليه وآله على انكار المنكرين لانه منطق القوة الغالب في ذلك الزمان.
____________
(1) راجع تاريخ الكامل ج 3 ص 24 .


( 38 )

 

 ولنلاحظ ناحية اخرى فان عليا لو ظفر بجماعة توافقه على دعواه وتشهد له بالنصوص النبوية المقدسة وتعارض انكار الفئة الحاكمة كان معنى ذلك ان ترفض هذه الجماعة خلافة ابي بكر وتتعرض لهجوم شديد لكيانه السياسي الى حد بعيد فانه لا يسكت عن هذا اللون من المعارضة الخطرة فمجاهرة علي بالنص كانت تجره الى المقابلة العملية وقد عرفنا سابقا انه لم يكن مستعدا لا علان الثورة على الوضع القائم والاشتراك مع السلطات المهيمنة في قتال.
 

 ولم يكن للاحتجاج بالنص اثر واضح من ان تتخذ السياسة الحاكمة احتياطاتها واساليبها الدقيقة لمحو تلك الاحاديث النبوية من الذهنية الاسلامية لانها تعرف حنيئذ ان فيها قوة خطر على الخلافة القائمة ومادة خصبة لثورة المعارضين في كل حين.
 

 واني اعتقد أن عمر لو التفت الى ما تنبه اليه الأمويون بعد أن احتج الامام بالنصوص في ايام خلافته واشتهرت بين شيعته من خطرها لاستطاع أن يقطعها من اصولها ويقوم بما لم يقدر الأمويون عليه من اطفاء نورها وكان اعتراض الامام بالنص في تلك الساعة ينبهه الى ما يجب أن ينتهجه من أسلوب فأشفق على النصوص المقدسة أن تلعب بها السياسة وسكت عنها على مضض واستغفل بذلك خصومه حتى ان عمر « رضي الله تعالى عنه » نفسه صرح بأن عليا هو ولي كل مؤمن ومؤمنة بنص النبي صلّى الله عليه وآله (1).
 

 ثم ألم يكن من المعقول ان يخشى الامام على كرامة حبيبه وأخيه رسول الله صلّى الله عليه وآله أن تنتقض وهي أغلى عنده من كل نفيس ـ اذا جاهر بنصوص النبي صلّى الله عليه وآله وهو لم ينس موقف الفاروق من رسول الله صلّى الله عليه وآله حين طلب دواة ليكتب كتابا لا يضل الناس بعده أبدا ، فقال عمر : ان النبي ليهجر أو قد غلب عليه الوجع (2) ، وقد اعترف فيما بعد لابن عباس ان رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يريد أن يعين عليا للخلافة وقد صده عن ذلك خوفا من الفتنة (3).
 

 وسواء أكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يريد ان يحرر حق علي في الخلافة اولا فان المهم ان نتأمل موقف عمر من طلبه فهو اذا كان مستعداً لاتهام النبي صلّى الله عليه وآله وجها لوجه بما ينزهه عنه نص القرآن وضرورة الاسلام خوفا من الفتنة فما الذي يمنعه عن اتهام آخر له بعد وفاته مهما تلطفنا في تقديره فلا يقل عن دعوى ان رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يصدر عن أمر الله في موضوع الخلافة
____________
(1) راجع ذخائر العقبى ص 67 .
(2) للحديث مصادر كثيرة تكتفي بذكر واحد منها ، راجع صحيح البخاري 1 : 37 ، باب كتابة العلم .
(3) راجع شرح النهج ج 2 ص 114 .


( 39 )

وانما استخلف عليا بوحي من عاطفته بل كان هذا اولى من تلك المعارضة لأن الفتنة التي تقوم بدعوى على النص أشد مما كان يترقبه عمر من اضطراب فيما اذا كان النبي صلّى الله عليه وآله قد خلف نصا تحريريا بامامة يعلمه الجميع.
 

 واذا كان رسول الله صلّى الله عليه وآله قد ترك التصريح بخلافة علي في ساعته الاخيرة لقول قاله عمر فان المفهوم ان يترك الوصي الاحتجاج بالنصوص خوفا من قول قد يقوله » (1).
 

 يقول الكاتب ( ص 23 ) : « لقد كان الامام علي يؤمن بنظام الشورى وانّ حقّ الشورى بالدرجة الاُولى هو من اختصاص المهاجرين والأنصار ، ولذلك فقد رفض بعد مقتل عثمان ، الاستجابة للثوار الذين دعوه إلى تولي السلطة وقال لهم : ليس هذا إليكم... هذا للمهاجرين والأنصار من أمّره أولئك كان أميراً .
 

 وعندما جاءه المهاجرون والأنصار وقالوا : « امدد يدك نبايعك » دفعهم ، فعاودوه ، ودفعهم ثمّ عاوده ، فقال : « دعوني والتمسوا غيري واعلموا أنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم... وإن تركتموني فأنا كأحدكم ، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً » ، ومشى إلى طلحة والزبير فعرضها عليهما فقال : من شاء منكما بايعته ، فقالا : لا... الناس بك أرضى ، وأخيراً قال لهم : فإن أبيتم فإنّ بيعتي لا تكون سراً ، ولا تكون إلاّ عن رضا المسلمين ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني فليبايعني ».
 

 أما الرواية التي تقول انّه عليه السلام رفض الاستجابة للثوار فلا يمكن تصديقها ، إذ لا يمكن أن يناط تعيين الخليفة بالمهاجرين والأنصار ، وإلاّ لاختصّ نظام الشورى بذلك العهد . ولو قيل باختصاص الحكم بأهل الحلّ والعقد فلا يصحّ ذلك أيضاً ، لعدم انطباق هذا العنوان على جميع المهاجرين والأنصار بل النسبة بين العنوانين عموم من وجه ، فانّ هناك في ذلك العهد من يعد من أهل الحلّ والعقد وليس من المهاجرين والأنصار ، ولو صحّت نسبة القول إليه عليه السلام فلا بدّ من حمل ذلك على انّه انّما ردّ دعوتهم لكونهم قاتلي الخليفة ، ولو قبل الامام دعوتهم لصُدّقت تهمة بني اُميّة وأتباعهم بانّه عليه السلام يترأس الثوّار ، فإذا كانت التهمة قد أثرت مفعولها مع بعده عليه السلام عنها ذلك البعد بل قيامه بالدفاع عن عثمان فما ظنّك بها لو كان يقبل اقتراح الثوار ؟!
 

 وأما رفضه لقبول البيعة إلاّ بعد الحاح الناس عليه فهذا لا يدل على انتفاء النص وقد بيّنا فيما سبق انّ البيعة ليست بمعنى الانتخاب بل هي تعهّد والتزام من الناس بنصرة من يبايعونه وهو عليه السلام بعد
____________
(1) فدك في التاريخ : 106 ـ 112 .


( 40 )

أن شاهد من الناس هذا الخذلان طيلة الأعوام السابقة لم يرض منهم ببيعة متعارفة كما بايعوا الآخرين ، وأراد أن تكون بيعتهم بيعة مؤكدة وكان يعلم كما أخبره به الرسول صلّى الله عليه وآله بأنّ الاُمّة لا تكتفي في غدرها بغصب الخلافة بل تغدر به بعد البيعة فتنكث البيعة ويتلو الناكثين قاسطون ومارقون ، فأراد أن يتمّ الحجة عليهم ، وأما ما ذكره من عرضه الخلافة على طلحة والزبير فكذب محض لا يمكن تصديقه ولم ينقل في المصادر المعتبرة .
 

 قال الكاتب ( ص 23 ـ 24 ) : « وهناك رواية في كتاب سليم بن قيس الهلالي تكشف عن إيمان الإمام علي بنظرية الشورى وحقّ الاُمّة في اختيار الإمام ، حيث يقول في رسالة له : « الواجب في حكم الله وحكم الاسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يقتل... أن لا يعملوا عملاً ولا يحدثوا حدثاً ولا يقدموا يداً ولا رِجلاً ولا يبدؤوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً عالماً ورعاً عارفاً بالقضاء والسنّة » (1) .
 

 هذه قطعة من حديث طويل اقتطعها المراوغ ليؤيّد بها اكذوبته وافتراءه على الامام عليه السلام ونحن ننقل قسماً وافياً منه ليعلم مدى مراوغة الرجل وسوء سريرته :
 

 في البحار نقلاً عن كتاب سليم بن قيس انّ معاوية أرسل ابا هريرة وأبا الدرداء برسالة إلى الإمام عليه السلام في وقعة صفين يكرر فيه اتهامه عليه السلام بايوائه قتلة عثمان ، فأجابه عليه السلام يقول :
 

 « انّ عثمان بن عفان لا يعدو أن يكون أحد رجلين إمّا إمام هدى حرام الدم واجب النصرة لا تحلّ معصيته ولا يسع الاُمّة خذلانه أو إمام ضلالة حلال الدم لا تحلّ ولايته ولا نصرته فلا يخلو من إحدى الخصلتين والواجب في حكم الله وحكم الاسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يقتل ضالاً كان أو مهتدياً مظلوماً كان أو ظالماً حلال الدم أو حرام الدم أن لا يعملوا عملاً ولا يحدثوا حدثاً ولا يقدّموا يداً ولا رجلاً ولا يبدؤا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً يجمع أمرهم عَفيفاً عالماً ورعاً عارفاً بالقضاء والسنّة يجمع أمرهم ويحكم بينهم ويأخذ للمظلوم من الظالم ويحفظ أطرافهم ويجبي فيئهم ويقيم حجّتهم وجمعتهم ويجبي صدقاتهم ثمّ يحتكمون إليه في إمامهم المقتول ظلماً ليحكم بينهم بالحقّ فإن كان إمامهم قتل مظلوماً حكم لأوليائه بدمه وإن كان قتل ظالماً أنظر كيف كان الحكم في هذا .
 

 وأنّ أوّل ما ينبغي للمسلمين أن يفعلوه أن يختاروا إماماً يجمع أمرهم إن كانت الخيرة لهم ويتابعوه ويطيعوه وإن كانت الخيرة إلى الله عزّ وجلّ وإلى رسوله فإنّ الله قد كفاهم النظر في ذلك
____________
(1) كتاب سليم ، ص 182 .


( 41 )

والإختيار ورسول الله صلّى الله عليه وآله قد رضي لهم إماماً وأمرهم بطاعته واتّباعه .
 

 وقد بايعني الناس بعد قتل عثمان وبايعني المهاجرون والأنصار بعدما تشاوروا ثلاثة أيام وهم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وعقدوا إمامتهم ولي بذلك أهل بدر والسابقة من المهاجرين والأنصار غير أنّهم بايعوهم قبل على غير مشورة من العامة وإنّ بيعتي كانت بمشورة من العامة .
 

 فإن كان الله جلّ اسمه جعل الإختيار إلى الاُمّة وهم الذين يختارون وينظرون لأنفسهم واختيارهم لأنفسهم ونظرهم لها خير لهم من اختيار الله ورسوله لهم وكان من اختاروه وبايعوه بيعته بيعة هدى وكان إماماً واجباً على الناس طاعته ونصرته فقد تشاوروا فيّ واختاروني بإجماع منهم .
 

 وإن كان الله جلّ وعزّ هو الذي يختار وله الخيرة فقد اختارني للأمة واستخلفني عليهم وأمرهم بطاعتي ونصرتي في كتابه المنزل وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وآله فذلك أقوى بحجتي وأوجب بحقي » (1).
 

 ويكفينا هذا البيان الواضح ويغنينا عن أي تعليق .
 

 ثمّ قال الكاتب : « وعندما خرج عليه طلحة والزبير احتجّ عليهما بالبيعة وقال لهما : بايعتماني ثمّ نكثتما بيعتي ولم يشر إلى موضوع النصّ... » .
 

 أقول : انّ طلحة والزبير لم يدعيا الخلافة فيحتجّ عليهما بالنصّ وانّ اثمهما ليس إلاّ نكث البيعة حيث خرجا على امامهما بعد أن بايعاه بحجة المطالبة بدم عثمان ولذلك احتج الامام عليهما بوجوب الوفاء بالبيعة وليس هنا مورد الاحتجاج بالنصّ على الخلافة كما هو واضح .
 

 واستشهد الكاتب أيضاً بما ذكره الامام عليه السلام في كتاب له إلى معاوية : « فانّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام لأنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يردّ وانّما الشورى للمهاجرين والأنصار إذا اجتمعوا على رجل فسمّوه إماماً كان ذلك لله رضا » .
 

 من الواضح انّ مضمون هذا الكتاب ـ لو صحّ الاسناد ـ ليس ممّا يعتقده أمير المؤمنين عليه السلام وإلاّ لم يكن لتأخّره في البيعة وجه شرعي ، وكلّ ما مرّ من أقواله وأفعاله عليه السلام طيلة هذه المدّة تنادي بأعلى الصوت بانّه عليه السلام لم يقبل خلافة القوم ، ولم يذعن بشرعيتها طرفة عين ، فاحتجاجه على معاوية في هذا الكتاب جدال بالتي هي أحسن ، واحتجاج عليه بما يسلمه ويقبله من عناصر الاستدلال والقياس ، فانّ معاوية كان لا بدّ له من التسليم لخلافة الخلفاء وقبول شرعيتها ، وإلاّ لم تصحّ
____________
(1) البحار 33 : 143 ـ 144.


( 42 )

ولايته التي نالها بتفويض من تلك الخلافة ، ولم يتمّ له دعوى القيام بمطالبة دم الخليفة المقتول. وإذا سلّم انّ الخلافة لا تتمّ إلاّ ببيعة المهاجرين والأنصار دون عامة المسلمين في مختلف الأقطار والأمصار ، فانّه لا يبقى له عذر في مقابلة أمير المؤمنين عليه السلام ، وعدم التسليم لخلافته التي تستمد شرعيتها من نفس منبع الشرعية التي استمدّت منه الخلافات الماضية. وليس هذا احتجاجاً باصول يسلمها الإمام عليه السلام ، وقد مرّ آنفاً انّه لا يمكن التسليم لصحة هذه الدعوى ، وانّه لا وجه لاختصاص نظام الشورى بالمهاجرين والأنصار ، حتى لو فرضنا صحّة ما يقال من اختصاصه بأهل الحلّ والعقد ، مع انّه أيضاً بمعزل عن الصوب كما هو واضح. ويتبيّن ذلك بوضوح من ملاحظة قوله عليه السلام لانّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان... أتراه يدّعي انّه لو قدّر له البقاء إلى عهد لم يبق فيه اولئك النفر فبايعه جميع الناس دونهم لكونهم موتى فهل يرتاب أحد في شرعية هذه البيعة بحجة انّه لم يبايع فيه أحد من اولئك النفر ؟!
 

 وهكذا يظهر بابين من الشمس انّ الاحتجاج على الخصم يبتني على اُصوله التي لا يستطيع انكارها وان لم تكن صحيحة عند المستدل .
 

 ثمّ قال الكاتب ( ص 24 ) : « وقد كان الإمام علي عليه السلام ينظر إلى نفسه كإنسان عادي غير معصوم ، ويطالب الشيعة والمسلمين أن ينظروا إليه كذلك ، ويحتفظ لنا التاريخ برائعة من روائعه التي ينقلها الكليني في الكافي والتي يقول فيها : « إنّي لست في نفسي بفوق أن أخطىء ولا آمن ذلك من فعلي ، إلاّ أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به منّي » (1).
 

 لا شكّ انّ الإمام كغيره من المعصومين ليس في نفسه بفوق أن يخطئ وهذا شأن كلّ انسان ، وقد قال الله تعالى في شأن نبيّه سيد المعصومين : ( ولولا ان ثبتناك لقد كنت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثمّ لا تجد لك علينا نصيراً ) (2) فهو في نفسه لا يملك عصمة وليس معصوماً من هذا الذنب الكبير الذي ينافي رسالته وأمانته وانّما عصمته مستمدّة من تثبيت الله له ، ونحن لا نعتقد عصمة للإمام ولا للرسول ولا لأي أحد من دون تثبيت الله له وأين هذا من نفي العصمة رأساً وكونه انساناً عادياً كما يحاول اثباته الكاتب ؟!.
____________
(1) روضة الكافي : ص 292 و 293 .
(2) الاسراء : 74 ـ 75 .


الفهرس